الأحد السادس بعد الصليب


 
الرسالة Word PDF
الإنجيل Word PDF
  • الرسالة
  • الإنجيل
  • شرح وتأمل أ. بيار نجم
  • شرح وتأمل أ. زياد أنطون
(غل 6/ 1-10)

إِنْ أُخِذَ إِنْسَانٌ بِزَلَّة، فأَصْلِحُوهُ أَنْتُمُ الرُّوحانِيِّينَ بِرُوحِ الوَدَاعَة، وَاحْذَرْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَيْضًا. إِحْمِلُوا بَعْضُكُم أَثْقَالَ بَعض، وهكَذَا أَتِمُّوا شَرِيعَةَ الْمَسِيح. إِنْ ظَنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ شَيء، وهوَ لا شَيء، فَقَدْ خَدَعَ نَفْسَهُ. فَلْيَمْتَحِنْ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ افْتِخَارُهُ في نَفْسِهِ فَقَطْ لا في غَيْرِه. فإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَحْمِلُ حِمْلَهُ الْخَاصّ. مَنْ يَتَعَلَّمُ كَلِمَةَ الإِيْمَان، فَلْيُشَارِكْ مُعَلِّمَهُ في جَمِيعِ الْخَيْرَات. لا تَضِلُّوا! فإِنَّ اللهَ لا يُسْتَهزَأُ بِهِ. فَكُلُّ مَا يَزْرَعُهُ الإِنْسَان، فإِيَّاهُ يَحصُدُ أَيْضًا. فالَّذي يَزرَعُ فِي جَسَدِهِ، يَحصُدُ منَ الْجَسَدِ فسَادًا؛ والَّذي يَزْرَعُ في الرُّوح، يَحصُدُ مِنَ الرُّوحِ حَيَاةً أَبَدِيَّة. فلا نَمَلَّ عَمَلَ الـخَيْر، ولا نَكِلَّ، لأَنَّنَا سَنَحْصُدُهُ في أَوَانِهِ. إِذًا فمَا دَامَ لَنَا مُتَّسَعٌ مِنَ الوَقت، فَلْنَصْنَعِ الْخَيْرَ إِلى جَمِيعِ النَّاس، وخُصُوصًا إِلى أَهلِ الإِيْمَان .

(مت 25/ 14-30)

"يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ رَجُلاً أَرَادَ السَّفَر، فَدَعَا عَبِيدَهُ، وسَلَّمَهُم أَمْوَالَهُ. فَأَعْطَى وَاحِدًا خَمْسَ وَزَنَات، وآخَرَ وَزْنَتَين، وآخَرَ وَزْنَةً وَاحِدَة، كُلاًّ عَلى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وسَافَر. وفي الـحَالِ مَضَى الَّذي أَخَذَ الوَزَنَاتِ الـخَمْس، وتَاجَرَ بِهَا فَرَبِحَ خَمْسَ وَزَنَاتٍ أُخْرَى. وكَذلِكَ الَّذي أَخَذَ الوَزْنَتَينِ رَبِحَ وَزْنَتَينِ أُخْرَيَين. أَمَّا الَّذي أَخَذَ الوَزْنَةَ الوَاحِدَةَ فَمَضَى وحَفَرَ في الأَرْض، وأَخْفَى فِضَّةَ سَيِّدِهِ. وبَعْدَ زَمَانٍ طَويل، عَادَ سَيِّدُ أُولـئِكَ العَبِيد، وحَاسَبَهُم. ودَنَا الَّذي أَخَذَ الوَزَنَاتِ الـخَمْس، فَقَدَّمَ خَمْسَ وَزَنَاتٍ أُخْرَى قَائِلاً: يَا سَيِّد، سَلَّمْتَنِي خَمْسَ وَزَنَات، وهـذِهِ خَمْسُ وَزَنَاتٍ أُخْرَى قَدْ رَبِحْتُهَا! قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: يَا لَكَ عَبْدًا صَالِحًا وأَمِينًا! كُنْتَ أَمِينًا على القَليل، سَأُقِيمُكَ على الكَثِير: أُدْخْلْ إِلى فَرَحِ سَيِّدِكَ! ودَنَا الَّذي أَخَذَ الوَزْنَتَينِ فَقَال: يَا سَيِّد، سَلَّمْتَنِي وَزْنَتَين، وهَاتَانِ وَزْنَتَانِ أُخْرَيَانِ قَدْ رَبِحْتُهُمَا. قَال لَهُ سَيِّدُهُ: يَا لَكَ عَبْدًا صَالِحًا وأَمينًا! كُنْتَ أَمينًا على القَليل، سَأُقِيْمُكَ على الكَثِير: أُدْخُلْ  إِلى فَرَحِ سَيِّدِكَ!  ثُمَّ دَنَا الَّذي أَخَذَ الوَزْنَةَ الوَاحِدَةَ وقَال: يَا سَيِّد، عَرَفْتُكَ رَجُلاً قَاسِيًا، تَحْصُدُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَزْرَع، وتَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَبْذُر. فَخِفْتُ وذَهَبْتُ وأَخْفَيْتُ وَزْنتَكَ في الأَرض، فَهَا هُوَ مَا لَكَ! فَأَجَابَ سَيِّدُهُ وقَالَ لَهُ: "يَا عَبْدًا شِرِّيرًا كَسْلان، عَرَفْتَ أَنِّي أَحْصُدُ مِنْ حَيْثُ لَمْ أَزْرَع، وأَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ أَبْذُر، فَكَانَ عَلَيْكَ أَنْ تَضَعَ فِضَّتِي عَلى طَاوِلَةِ الصَّيَارِفَة، حَتَّى إِذَا عُدْتُ، اسْتَرْجَعْتُ مَا لِي مَعَ فَائِدَتِهِ. فَخُذُوا مِنْهُ الوَزْنَةَ وَأَعْطُوهَا لِمَنْ لَهُ الوَزَنَاتُ العَشْر. فَكُلُّ مَنْ لَهُ  يُعْطَى ويُزَاد، ومَنْ لَيْسَ لَهُ  يُؤْخَذُ مِنْهُ حَتَّى مَا هُوَ لَهُ. وهـذَا العَبْدُ الَّذي لا نَفْعَ مِنْهُ أَخْرِجُوهُ وأَلْقُوهُ في الظُّلْمَةِ البَرَّانِيَّة. هُنَاكَ يَكُونُ البُكَاءُ وصَرِيفُ الأَسْنَان".

هو زمن الصليب هو زمن الإنتظار، هي الفترة التي تتأمّل فيها الكنيسة في كيفيّة السهر وترقّب عودة السيّد. لقد تأمّلنا في صورة العبد الصالح الّذي ينتظر عودة سيّده، تأمّلنا بالعذارى الحكيمات اللّواتي حافظن على قنديلهم مشتعلاً وهم ينتظرون عودة السيّد. أمّا إنجيل هذا الأحد فهو أنجيل الترقّب الفاعل، لا الترقّب الخمول. هو ترقّب العبد المتاجر بوزنات سيّده، عالم أنّ لا بدْ أنّ يعود.
لقد أسلم السيّد كلّ ماله للعبيد، لم يسلمهم جزء مما يملك ليتاجروا به، بل أسلهم كلّ ما يملك، كلّ بحسب طاقته. يعلم السيّد طاقات كلّ واحد منّا، يعرف مواهبنا وقدراتنا، يعرف محدوديّتنا وإعاقاتنا، يعرفنا، يحبّنا، يقبلنا، ويطلب منّا أن نسعى لنحقّق إنسانيّتنا بحيب طاقاتنا وقدراتنا، نسعى لأن نعمل في حقل الرّب. لا يهتّم الرّب بكم نقدّم، ما يهمّه هو إن كنّا قد حاولنا. لا يفتّش الرّب عن معجزات أصنعها، بل يريد الحبّ في قلبي، يريد رغبة تملأ قلبي لأعمل معه في خدمة الكنيسة في سبيل خلاص الإخوة.
أسلمهم كلّ واحد بحسب طاقته: هو عمل الله في حياة شعبه يختصره الرّب في مثله هذا، الوزنات الخمس تذكّرنا بالعهد القديم، بالتوراة ذات الكتب الخمسة. هي شريعة موسى أُعطيت للإنسان لكيما يصل الى الخلاص مع سائر شعب الله. ولكن الشعب لم يستجب لرغبة الله في حياته، ولا رأى في الناموس وسيلة خلاص، يسير على هديها ليصل الى الرّب، بل حوّل الناموس الى وسيلة قتل ودينونة للآخرين، وحدهم الأبرار علموا كيف يحافظون على وزنة الكتب الخمسة هذه، فاستحقوا من خلالها التبرير.
وآخر أعطاه الرّب وزنتين: رمز آخر لحقيقة خلاصيّة أعطاها الرّب للإنسان، الوزنتان هما العهدان: القديم والجديد، بالقديم دخل الله في علاقة مع شعبه، دخل في عهد معه، في عهد حبّ أبدّي، يصبح من خلاله الله اله إسرائيل الأوحد، ويصبح الشعب شعب الله المختار، أي الشعب الّذي اختاره الله ووضعه في خدمة خلاص الشعوب كلّها ليوصل اليها كلمة الحياة. لكن الشعب الّذي حصل على هذه الوزنة دفنها، رفضها، أهملها، لم يشأ أن يعمل بها وقرّر أن ينفصل عن الله بإرادته، فوصل الى حالة الموت. وفي العهد الجديّد عاد الرّب مرّة ثانية ليجدّد عهده مع شعبه ويعيدهم الى صداقتهم والى حبّهم الأوّل فأرسل ابنه متجسّداً من مريم العذراء ليعيدهم الى صداقة الله. الوزنتان هما عهدان اسلمها الله الينا، بنعمته أعطانا وسيلة أن نكون عمّالاً في حقله، ينشرون بشرى الإنجيل في الكون، يعلنون انتصار الحبّ على الحقد، والرجاء على اليأس، والمغفرة على والإنتقام. من قبل هاتين الوزنتين في حياته يعلم أنّه مدعوّ للخلاص، ويعلم أنّه يحمل همّ المشاركة في إعلان رسالة الخلاص.
وآخر أعطاه الله وزنة واحدة، هي وزنة الكنيسة الواحدة، جسد المسيح السرىّ التي تعطي الخلاص لبني البشر لأنّها الأم والمعلّمة، تحتوى علي الأسرار، تصنع الإفخارستيّا والإفخارستّيا تصنعها، تسعي لأن تكون في خدمة الإنسان، كلّ إنسان. الوزنة الواحدة هي المعموديّْة التي نلناها بنعمة من الربّ لنصبح أولاد الله بالتبنّي، ونضحي قادرين على أن ندعو الله: "أبانا". لا يحقّ لنا أن ندفن هذه الوزنة في الأرض، لا يحق لنّا إن كنّا مؤمنين بأنّنا تلاميذ، أن نقول: لا دخل لي بكلّ هذا. لا يحق لي أن أخاف من مستلزمات البشارة المسيحيّة وأقول: هو ليس عملي، هو عمل الكهنة والمكرّسين. فالله سلمني وديعة الأيمان، لم يعطني ما لا أستطيع حمله، بل أعطاني بالنعمة أن أكون رسولاً له، أبشْر باسمه، أعمل لمجده، أضحّي لأجله وأشهد له حيثما حللت: في عائلتي أشهد له، في عملي أشهد له، في كلامي، في تصرّفاتي، في أفكاري، في كلّ لحظة أشهد له ولإنجيله من خلال شهادة الحياة ومن خلال الحبّ لكلّ إنسان. هكذا أشارك في رسالة المسيح، هكذا أتاجر بوزنة الرّب التجارة المليئة ربحاً.

رسالة مار بولس إلى أهل غلاطية (6: 1-10)
"إن خطأ أحدكم فاصلحوه بالمحبّة."
"أحملوا بعضكم أثقال بعض" ... "في هذا تمام الشريعة"، أي المحبّة التي تبذل نفسها في سبيل أحبائها. كما المسيح حمل ثقل خطايانا على الصليب.
"فإن ظنَّ أحدٌ أنّه شيءٌ، مع أنّه ليس بشئٍ، فقد خدع نفسه." فمثل الوزنات، يذكرنا بأنّ الإنسان عدم، وأنّ كلّ عطيّة صالحة إنما هي من الله. فهو الجواد الكريم، وهو أيضا الديّان العادل، حتى "الظلم" (يحصد من حيث لا يزرع!". لقد أعطى الله كلا منا حسب طاقته. وقيمة الوزنة المُعطاة من الله، تقدّر بحوالي 25 كيلوغرام ذهب. ثمن كيلو الذهب اليوم حوالي 43 الف دولار. فتكون بالتالي قيمة الوزنة حوالي مليون ومئة الف دولار! وفي هذا رمز إلى جود الله اللامتناهي.
يذكرنا أيضا مار بولس بأنّ "الإنسان يحصد ما يزرع. فمَن يزرع في الجسد، يحصد الفساد. ومَن يزرع بالروح، يحصد الحياة الأبديّة". ويزيد على ذلك: "إذا ما دامت لنا الفرصة، فلنصنع الخير." لأنّ يوم الربّ آتٍ سريعا، كالسارق، وبغتة، كالمخاض يدهم الحبلى!

الإنجيل: (متى 25: 14-25)
بعد مثل الوكيل الأمين (متى 25)، ومثل الوكيل المُحتال، والعذراى الجاهلات والحكيمات (متى 25)، وقد قرأتها على مسامعنا الكنيسة المقدّسة خلال أسابيع زمن الصليب الأخيرة، نسمعُ إنجيلا آخر من أناجيل الإنتظار، ونهاية الأزمنة، والدينونة.
يصف هذا المثل تصرّف الخدام الأبرار، المجتهدين في خلاص نفوسهم، وأيضا تصرّف الخادم الشرير. ففي المجتمع هناك الأشرار والأخيار. أناسٌ يرتعوا في الفساد، وآخرون يحاولون فهم مشيئة الله والعمل بها، لقداسة نفوسهم ونفوس اخوتهم.
إلاّ أنّ الأمانة المطلوبة في هذا الإنجيل، لا تقوم على مجرّد الاستعداد (مثل العذارى)، أو حسن التصرّف (مثل الوكيل الأمين). ولا يأتي المثل على ذكر تأخر "الملك أو العريس في العودة"! بل يُطلب من العبيد "استثمار الوزنات" الموكولة إليهم، والمتاجرة بها على قدر المُستطاع.
ألم يُدِن يسوع الفريسيين قائلا: لكم أعطيت مفاتيح ملكوت الله، فلا أنتم دخلتم، ولا تركتم الراغبون بالدخول يدخلون! لقد أعطانا الله الكثير: المقدرة على الحُب والغفران وتحويل الدنيا من حولنا إلى سماء حيّة. أعطانا العقل، والقلب، والفهم، والعلم، والمال ... فماذا فعلنا بعطياه؟ أعطانا الرغبة الجنسيّة لكي نُحبّ ونتزوّج ونبني الملكوت. أعطانا الصحة لكي نربّي أولادنا، ونعمّر مجتمعنا. وكم من مرّة طمرنا وزنة الله في حياتنا. فكُنا مثل الفريسيين، بيدنا مفتاح الحياة، فلا نحنُ نفرح بها، ولا نساعد الناس على عيش السعادة والقداسة!
لفهمِ هذا المثل أكثر، علينا أن نقرأ ما قبله (متى 25): 1) مجيئ ابن الانسان، 2) علامات المجيئ ونهاية الزمن، 3) ضرورة السهر الدائم، 4) مثل الوكيل الأمين، 5) مثل العذارى). وعلينا أن نقرأ أيضا ما يليه، اذا يفسّر كيفيّة تطبيق وعيش المثل. وفيما يلي مثل الوزنات، يتكلّم متى عن مثل الدينونة، حيث يفصل يسوع بين الخراف والجداء، مباركا الفئة الأولى: "كنتُ جائعا، عطشانا، غريبا، عريانا، مريضا، وسجينا فاعتنيتم بي بمحبّة.
والوزنات على ما فهمتها القديسة ترايزا الكالكوتيّة، هي عطيّة الله التي تؤهلني على المحبّة، لأنّ المحبّة هي جوهر الانسان والله أيضا. فعيشها يؤنس الانسان، اذ يساعده على تحقيق ذاته، وايضا يؤلهه، اذا يجعله أشبه الله-المحبّة. "الله بحاجة إلى يدي لكي يساعد المحتاجين. وإلى عيني لكي يرى بؤس الفقراء ويحنّ عليهم. وإلى قلبي لكي يُحبّ الناس، اليتيم والمعوز ... وإلى قدمي لكي يزور المرضى ...
يوضح هذا المثل أمران:
1) جود الله الكريم، ومحبّته المجانيّة. فقيمة الوزنة كما أشرنا يفوق المليون دولار! عطياه لا نهاية لها، كما محبّتة، تعبّر عن شخصه.
2) حقيقة الدينونة وقساوتها: "خذوا منه ما هو له ... وأعطوه لصاحب الـ10 وزنات. يا لك من عبدٍ بطَال، كسلان، لا نفع منه. اطردوه إلى الظلمة البرّانيّة (الفصل النهائي عن الجماعة)، حيثُ البكاء وصريف الأسنان (لا مكان للرجاء أو التوبة، ولا أمل بالخلاص، بل هلاك شرير، أبديّ!)


 
     

 

 
 

ألأسئلة والتعليقات

 
 
 
 


أهلاً وسهلاً | الكتاب المقدس | تعليم الكنيسة | الحياة الرهبانيّة | عظات الأحد | تاريخ الكنيسة | صلوات وتأملات | مواقع مفيدة | أسئلة وآراء
إتصل بنا | كتاب الزوار
تصميم وتنفيذ فادي بطيش
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م. 2007